عندما وافق محمد وهبي على تولي مسؤولية المنتخب المغربي في مارس 2026، كان يعلم أنه يرث منتخبا فريدا. ليس فقط لأن كرة القدم تحتل مكانة مركزية في البلاد، بل لأن المغرب ما زال يستحضر تفاصيل مشواره التاريخي في كأس العالم بقطر قبل أربع سنوات.
لقد قلب نصف النهائي موازين النظرة إلى كرة القدم المغربية، وباتت معه التوقعات تأخذ أبعادا جديدة تماما منذ ذلك الحين. “اليوم، لم نعد نعيش الواقع ذاته”، هكذا لخص مساعده يوسف حجي المشهد. “نحن من بين المرشحين الأوفر حظا.” جملة تلخص حجم التحدي.
ومع ذلك، عشية مواجهة هايتي في الجولة الثالثة من دور المجموعات، لم يحسم المغرب بعد بطاقة تأهله إلى دور الـ 32.
وباحتلاله المركز الثاني في المجموعة الأولى بعد تعادل قوي أمام البرازيل (1-1) وفوز بهيمنة مطلقة على إسكتلندا (1-0)، لا يزال المنتخب الإفريقي تحت وطأة الضغط، إذ يتعين عليه تحقيق الانتصار، اليوم الأربعاء، لتفادي أي مفاجآت غير سارة. كما أن المركز الأول في المجموعة على المحك أيضا.
وفي هذا السياق، يمضي محمد وهبي قدما دون أن ينجر إلى المقارنة. وأوضح قائلا: “عندما وصلت إلى المغرب، كان أول شيء قلته هو أنني أريد ترك إرث”. “بالطبع، كنت أريد تحقيق الفوز، ولكنني أردت أيضا المساهمة في تطوير كرة القدم المغربية”.
إنها رؤية تتجاوز بكثير مجرد منطق النتائج. إذ يتحدث المدير الفني عن الهوية، والثقافة الكروية، ونقل الخبرات وباعتباره مدربا تشبع بأسس “كرة القدم التكوينية” ونشأ عليها، في مدرسة نادي أندرلخت البلجيكي تحديدا، فإنه يتبنى مقاربة ترى أن تطوير اللاعبين وصقل مواهبهم أمر لا ينفصل إطلاقا عن الأداء.
وكان يصر على أن “امتلاك شغف نقل الخبرات والمعرفة أهم بكثير من مجرد شغف كرة القدم”، وهي القناعة التي تمثل البوصلة الموجهة لمشواره المهني. وتتجلى هذه الفلسفة في ملامح فريقه. ففي مواجهة البرازيل، سعى المغرب إلى المبادرة وبناء اللعب، والخروج بالكرة بشكل سلس ومنظم من الخلف، وفرض وجوده وهو يمتلك الكرة أمام أحد عمالقة كرة القدم العالمية.
وفي هذا الصدد، كان وهبي يذكر دائما بقاعدته “إذا كنا ندافع، فذلك من أجل أن نهاجم بشكل أفضل”، مستطردا “أنا لا أؤمن بدفاع يكتفي بالأدوار الدفاعية البحتة”.
وهي مقاربة أتاحت لعديد من اللاعبين الشباب فرض أنفسهم على الساحة الدولية. على غرار أيوب بوعدي ونائل العيناوي، اللذين يمثلان رمزين لجيل لا يتردد المدير الفني السابق لمنتخب المغرب تحت 20 سنة، المتوج بلقب كأس العالم 2025 لهذه الفئة، في وضع كامل ثقته فيه.
وفي مواجهته مع إسكتلندا، أظهر المغرب جانبا آخر.. جانبا أكثر واقعية، وأكثر قدرة على تحمل الضغط دون التخلي عن أسلوبه.
وأوضح وهبي قائلا “أبرز ما أستخلصه هو قدرتنا على المعاناة بشكل جماعي”. “لقد تمكنا من الدفاع عن تفوقنا بجدية وتنظيم”.
هذا التطور يلخصه مساعده يوسف حجي ببساطة قائلا “إنه يفرض أسلوبه، ولا يترك المنافس يملي عليه شروطه. عندما يلعب المغرب اليوم، فإننا نرى منتخبا يملك هويته الخاصة.”
لكن بغض النظر عما يحدث على أرض الملعب، فإن أكثر ما يثير الإعجاب هو رصانة المدرب وثباته. إذ يقر وهبي قائلا “لست ممن يكثرون الكلام”. “الأفعال هي كل ما يهم”، ثم يضيف مستشهدا بحكمة تختزل فلسفته بالكامل: “أفعالك تتحدث بصوت مدو، لدرجة أنني لا أسمع ما تقول”.
وفي بيئة يمكن أن ينقلب فيها الحماس الجماهيري الجارف سريعا إلى ضغوطات رهيبة، يصبح هذا الثبات الذهني ميزة أساسية وورقة رابحة. وكان يكرر دائما “أعلم تماما إلى أين أريد الوصول. لا يهمني شكل الظروف المحيطة”.
أمام هايتي، سيلعب المغرب من أجل مواصلة مشواره. ولكن أيضا لتأكيد أن مشروع وهبي بدأ يتبلور ويتجسد على أرض الواقع.
فبعد أربع سنوات من الإنجاز التاريخي الذي حققه سلفه، بلغت التوقعات سقفا غير مسبوق، غير أن المدير الفني صاحب الـ 49 عاما لا يبدو رازحا تحت وطأة هذه الضغوط. إذ قال “الأهم بالنسبة لي هو أن يفخر المغاربة بمنتخبهم الوطني. أنا لا أعد بالنتائج أبدا، لأن كرة القدم لا يمكن التنبؤ بها. لكنني في المقابل أعد بأننا سنبذل كل ما في وسعنا لنجعل شعبنا فخورا”.
والآن، يتبقى فقط ترجمة هذه الوعود إلى تأهل رسمي على أرض الواقع، ومواصلة خط فصول قصة لا تبحث عن استنساخ التجربة السابقة، بل تسعى لابتكار تاريخ جديد خاص بها.














