أيوب بوعدي.. العلامة الفارقة في صفوف “أسود الأطلس”

14 يونيو 2026آخر تحديث :
أيوب بوعدي.. العلامة الفارقة في صفوف “أسود الأطلس”
(آش سبور)///

هناك أمسيات تبرز فيها النجوم لامعة تحت الأضواء الكاشفة. وأمام منتخب البرازيل، بطل العالم خمس مرات والمرجع التاريخي في سماء كرة القدم العالمية، لم يكتف الفتى الواعد أيوب بوعدي بخوض مجرد مباراة في كأس العالم، بل خط بقدمه اليمنى شهادة ميلاده بين كبار نجوم اللعبة.

وفي سن الثامنة عشرة، خاض متوسط الميدان المغربي المحترف في صفوف نادي ليل الفرنسي، مباراته الأولى في المونديال بثقة المحاربين المخضرمين، وبتلقائية طفل لا وجود في قاموسه لشيء اسمه المستحيل.

وفي لقاء بدت فيه كل كرة وكأنها تزن طنا، جعل بوعدي الضغط الهائل يتحول إلى إلهام ساحر. لقد كانت الكرة تلتصق بقدميه وكأنها تنجذب إليه بفضل قوة سحرية لا ترى.

حتى لغة الأرقام لم تخف انبهارها بما قدم بوعدي، فبفضل لمساته التي بلغت 87، شكل المحرك الرئيسي لجل العمليات الهجومية المغربية. ولم تقتصر إبداعاته على دقة التمرير التي ناهزت 91 في المائة لتعكس براعة فنان متمرس، بل امتدت لتشمل استعادته لست كرات، مما يبرز حجمه الكبير في ضمان الصلابة الدفاعية لـ “أسود الأطلس”.

وتتجلى قمة انضباطه وتأثيره في اقتصاره على ارتكاب خطأ واحد لا غير طوال أطوار اللقاء أمام كتيبة برازيلية تعج بالنجوم. لقد برع أو كاد في أداء شتى الأدوار، حيث دافع بصلابة وصنع الهجمات بسلاسة ووزع الكرات بدقة، فضلا عن توجيه دفة اللعب والرفع من إيقاعه أو خفظه.

ومع ذلك فالإحصائيات لا تروي سوى شطر من هذه الملحمة الكروية. فما سلب الألباب حقا هو ذلك الشعور الطاغي بالتحكم المطلق. إذ كلما حاولت البرازيل بسط سيطرتها على خط الوسط، كان بوعدي ينبثق كالمارد ليجهض مساعيها.

فمن خلال اعتراضاته الحاسمة وتمريراته الماكرة وتغييره السلس لوجهة اللعب، وحتى مراوغاته التي تمزج الأناقة بالنجاعة، ظهر هذا الفتى في صورة قائد أوركسترا حقيقي، يوجه زملاءه بثبات وانسجام وسط إعصار برازيلي هادر.

وبينما عثر “أسود الأطلس” في وجوده على إيقاعهم المتناغم، أجبر نجوم “السيليساو” في أكثر من مناسبة على الركض خلف الكرة. أما هو فقد بدا وكأنه يغرد خارج السرب، بفضل تحكمه في الزمن الكروي ضمن بعد لا يجيده إلا الساحر بوعدي.

وتتجلى روعة أدائه في تلك البساطة الفطرية التي تميز طريقة لعبه. فلا حركات استعراضية زائدة ولا سعي وراء الأضواء المصطنعة، وإنما كرة قدم نقية راقية تجعل اللقاء سلسا على زملاء الفريق، معقدا وصعبا على الخصوم.

لقد قارع المنتخب المغربي كبرياء البرازيل بفضل تماسك منظومته الجماعية، وهو ما سيخلد هذه المباراة في الذاكرة الكروية العالمية بوصفها الليلة التي ظهر فيها ابن الـ 18 ربيعا ليكون وبامتياز العلامة الفارقة لهذا الجيل الذهبي.

ولم يقتصر دور أيوب بوعدي في تلك الليلة التاريخية وتحت أضواء ذلك الملعب المهيب على مجابهة البرازيل فحسب، بل نظر في أعين العمالقة بكل جسارة، معلنا بزوغ فجر نجم مغربي جديد في سماء الساحرة المستديرة. نجم من الواضح أن بريقه لن يخبو في المستقبل المنظور. نجم غمر نوره الساحة العالمية بدرس كروي بليغ أذهل المتابعين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق