
في مشهد يجمع بين الفضيحة والخيبة، تتدفق مياه الصرف الصحي الفاحمة الآسنة من “قادوس” بمنطقة زناتة مباشرةً نحو المحيط الأطلسي، دون أن تمرّ بذرة معالجة واحدة، بينما يتكرر المشهد ذاته بوقاحة أشدّ في كورنيش مسجد الحسن الثاني — أبرز وجه حضاري للعاصمة الاقتصادية، وأحد أجمل المعالم الإسلامية في العالم — حيث تزكم الروائح الأنفاس وتصطدم المخلفات بعيون الزوار القادمين من أقاصي الأرض .
ليس هذا إخفاقاً عارضاً يُغتفر. ما نشهده هو تغافلٌ ممنهج وصمتٌ مريب من الجهات المسؤولة إزاء جريمة بيئية تتجدد يوماً بعد يوم، فيما يُحسن المسؤولون الكلام عن بنية تحتية تليق بالمونديال وصورة تليق بالمغرب.
بيئة محتضِرة تحت أنظار الجميع
ما يصفه شهود العيان لا يحتمل المجاملة: مياه قاتمة تزفر روائح تقطع الأنفاس، تنسكب من فوهات مكشوفة في البحر المفتوح، تحمل معها كل ما يخرجه الإنسان وما يُنتجه المصنع من مواد كيماوية و مخلفات صناعية خطيرة، وتتركه هدية مسمومة للكائنات البحرية، وبعدها للسباح المطمئن. والمفارقة المرّة أن شواطئ زناتة الكبرى والصغرى باتت من الشواطئ التي لا تستوفي معايير السلامة للاستحمام وفق التقارير الرسمية — فهل تساءل أحد لماذا؟

كيف تحترم البحرَ الذي تأكل سمكه وتسبح في مياهه، ثم تُفرّغ فيه ما لا يُسمَّى؟ هذا ليس إهمالاً — هذه إهانة.
يُجمع المختصون البيئيون على أن تصريف مياه الصرف غير المعالجة في البحر يُسبب تراكماً خطيراً للملوثات في أجسام الأسماك والقشريات، يدفع الكائنات البحرية إلى الهجرة من مناطقها الطبيعية، ويُصيب السباحين بأمراض جلدية وحساسية، بل ويُهدد بصدمات صحية أشد في حالة التعرض المتكرر. وكل هذا في فصل الصيف، حين تنثال الأسر على الشاطئ بأطفالها بحثاً عن نسمة هواء ولحظة راحة.
الجرح في واجهة بلادنا
لو تعلق الأمر بمنطقة نائية أو شاطئ مجهول، لكان الأمر قابلاً للتبرير بالتأخر والمحدودية. لكن أن يتكرر هذا تحت ظلال مسجد الحسن الثاني — الشاهق بمئذنته مئتي متر، المُطلّ على المحيط في شموخ، الذي يستقطب الزوار والسياح من شتى بقاع الأرض — فذلك ما يُصعب تفهّمه أو قبوله. الكورنيش الذي يُفترض أن يكون بطاقة الزيارة الأولى للدار البيضاء بات يحمل بطاقة عار.
والأمر لا يقف عند حدود الخجل المحلي؛ فالمغرب يُعد اليوم نفسه لاستضافة حدث رياضي كوني سيجلب ملايين الزوار من كل أمم الأرض. كاميرات العالم لن تلتقط الملاعب الفارهة وحدها — ستلتقط كل شيء. وعيون الصحفيين الأجانب لا تُغمض.
نداء عاجل إلى جهات تلبي النداء
أمام هذا الواقع المؤلم، توجه العديد من السكان المحادين لهذين الشاطئين ( زناتة و حي العنق) و صيادوا القصبة الرامية عبر موقع آش24 بنداء استغاثة عاجل إلى الوالي محمد مهيدية و عاملي مقاطعات عين السبع الحي المحمدي و أنفا من أجل:
الإغلاق الفوري و العاجل للمصبَّين القذرَين بزناتة وكورنيش مسجد الحسن الثاني، وتسخير الإمكانيات اللازمة لحل هذه المشكلة البيئية الخطيرة .
إن المغرب الذي يستعد للمونديال لا يليق به أن تكون شواطئه مقابر للكائنات البحرية ومصادر للأوبئة. الحجج والمبررات لا تُقنع بحراً يشرب مجاري المدينة، ولا سائحاً أجنبياً يشمّ في هواء الكورنيش ما لا يشتهيه. المسؤولية التاريخية تقتضي من كل مسؤول أن يرتفع إلى مستوى اللحظة — الآن، لا غداً.












