تحولات هامة ميزت العلاقة بين المجتمع المدني والمؤسسة التشريعية بالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما أقره دستور 2011 من آليات تروم تعزيز الديمقراطية التشاركية وتوسيع مجال انخراط المواطنات والمواطنين في تدبير الشأن العام.
حضور متزايد للجمعيات داخل النقاش العمومي، وأدوار جديدة تتجاوز منطق الترافع التقليدي نحو المساهمة في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية، وكذا اقتراح مبادرات تشريعية عبر آليتي العرائض والملتمسات.
غير أن هذا التحول، رغم ما يعكسه من طموح مؤسساتي، ما يزال يطرح تساؤلات متجددة حول حدود تأثير الفاعل المدني في مسار صناعة التشريع، ومدى انتقاله من موقع المواكبة إلى موقع التأثير، بما يكرس التحول نحو شراكة مؤسساتية حقيقية بين المؤسسة البرلمانية والمجتمع المدني.
الحق في المعلومات ..من الترافع إلى اقتراح التعديلات
برز إسهام المجتمع المدني، بشكل لافت في السنوات الأخيرة، في عدد من الأوراش التشريعية، من بينها مسار إقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات. تجربة كشفت عن دينامية مدنية نشطة، امتدت من مرحلة النقاش الأولي عقب دستور 2011، الذي أقر هذا الحق في الفصل 27، إلى ما بعد صدور النص القانوني سنة 2018 ثم دخوله حيز التنفيذ.
وانخرطت فعاليات في الحقل المدني، حينها، ضمن دينامية واسعة واكبت مسار إعداد قانون الحق في الحصول على المعلومات 31.13، من خلال تقديم مقترحات وتعديلات مرتبطة بتجويد النص، وتنظيم موائد مستديرة ودورات تكوينية ولقاءات مع المكلفين بتلقي طلبات الحصول على المعلومات، إلى جانب التفاعل مع عدد من المتدخلين في هذا الورش.
وفي هذا السياق، يبرز المدير التنفيذي لجمعية “رواد التغيير للتنمية والثقافة”، شكيب سبايبي، أن عددا من المقترحات التي قدمتها فعاليات مدنية، من بينها الجمعية، خلال مراحل النقاش حول المشروع، “تم أخذها بعين الاعتبار”، معتبرا أن حضور المجتمع المدني في النقاش المرتبط ببعض الأوراش التشريعية أصبح أكثر بروزا خلال السنوات الأخيرة، من حيث التأثير وتقديم البدائل.
هذا المعطى يعكس، في عمقه، تحولا نوعيا في أدوار الفاعل المدني، من التأثير في النقاش العمومي إلى محاولة التأثير في مضمون التشريع ذاته، من خلال التفاعل المباشر مع النصوص القانونية واقتراح تعديلات عليها.
وفي هذا الإطار، يسجل سبايبي، في حديث مع وكالة المغرب العربي للأنباء، انخراط الجمعية في اقتراح تعديلات على القوانين المؤطرة للديمقراطية التشاركية، معتبرا أنها “شكلت خطوة مهمة، لكنها كشفت أيضا عن عدد من التحديات المرتبطة بحدود التأثير”. واستحضر، في هذا السياق، طبيعة المساطر المرتبطة بتقديم العرائض والملتمسات، إلى جانب تفاوت قدرات الفاعلين المدنيين في مجال الترافع التقني والقانوني، وهي من بين التحديات التي قدمت بشأنها الجمعيات مقترحات وتعديلات إلى مختلف الفاعلين.
وبالرغم من هذه الإكراهات، يبرز المتحدث أنه “لا يمكن إنكار وجود بعض التأثيرات الملموسة”، سواء من خلال إدخال تعديلات على بعض النصوص، أو على مستوى تطور بعض الممارسات المرتبطة بثقافة الشفافية والانفتاح.
ويضيف أن هذا المسار ما يزال يتطلب جهدا إضافيا للانتقال من الترافع إلى الأثر الفعلي، وذلك من خلال تعزيز آليات التتبع والمساءلة وتوسيع فضاءات المشاركة المدنية داخل العملية التشريعية، وإرساء آليات مؤسساتية دائمة للحوار والتشاور.
التشاور العمومي.. مسار ترافع متواصل نحو المأسسة
يعد إرساء إطار قانوني للتشاور العمومي أحد أبرز المداخل لتعزيز الديمقراطية التشاركية كما نص عليها دستور 2011؛ ورش تشريعي يكرس في العمق مأسسة مشاركة المجتمع المدني، والانتقال بها من مبادرات ظرفية إلى آليات مؤطرة قانونا.
غير أن هذا الورش ما يزال، بحسب فاعلين مدنيين، مطروحا ضمن النقاش المرتبط باستكمال الإطار التشريعي المؤطر للتشاور العمومي، رغم إدراجه ضمن مخططات تشريعية وبرامج حكومية سابقة. وبالرغم من ذلك، يواصل المجتمع المدني المشاركة كقوة اقتراحية في الانخراط لإخراج نص يستجيب لانتظارات الفاعلين.
وفي هذا الإطار، أعدت جمعية “سمسم-مشاركة مواطنة” سنة 2022 مذكرة ترافعية وفق مقاربة تشاركية مع عدد من الفاعلين، تضمنت توصيات تهم منهجية التشاور العمومي وأخرى تتعلق بمقترحات لتعزيز إشراك المجتمع المدني في عملية التشريع، وهي المذكرة التي تم التواصل بشأنها مع عدد من النواب والنائبات والمؤسسات الدستورية والوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان.
محمد معاش، منسق مشاريع بالجمعية، يقول إن التزام الوزارة في برنامج عملها برسم سنة 2026 في مجال العلاقات مع المجتمع المدني، في محور “البيئة القانونية التي تنشأ وتتطور فيها الجمعيات”، بـ “إعداد الصيغة النهائية لمشروع قانون يتعلق بالتشاور العمومي ووضعه في مسطرة المصادقة”، دفع الجمعية إلى إعادة فتح النقاش حول الموضوع لتحيين المذكرة الترافيعة.
وأوضح معاش، أن الجمعية اقترحت توصيات جديدة همت أساسا إرساء إطار قانوني واضح وملزم للتشاور العمومي يحدد مبادئه وأهدافه ومراحله، مع التنصيص على إلزامية إدماجه في مختلف مراحل إعداد السياسات العمومية، من التشخيص إلى التقييم.
كما دعت المذكرة، وفقا لمحمد معاش، إلى تحديد أدوار مختلف الفاعلين، وخاصة الإدارات العمومية ومنظمات المجتمع المدني، وضمان شفافية مساطر التشاور من خلال نشر المعطيات والوثائق المرتبطة به وإتاحة آليات رقمية لتوسيع المشاركة.
التوصيات شملت أيضا ضرورة إرساء آليات لتتبع مخرجات التشاور، وتوضيح مآل مقترحات المواطنين، إلى جانب تعزيز مبادئ الشمولية والمساواة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى عمليات التشاور، بما يضمن مشاركة فعلية وذات أثر في صناعة القرار العمومي.
ويندرج الاشتغال على هذا الورش ضمن اهتمامات عدد من الجمعيات النشيطة في مجال الديمقراطية التشاركية، من بينها جمعية “سمسم”، التي واكبت بعض الجوانب المرتبطة بتفعيل قانون الحق في الحصول على المعلومات، لاسيما ما يتعلق بالنشر الاستباقي للمعلومات، وهو ما مكنها من إعداد مقترح قانون تم تقديمه إلى عدد من النائبات والنواب والفرق البرلمانية إلى جانب لجنة الحق في الحصول على المعلومات.
هذه المقاربة الترافعية للانتقال من التشخيص إلى اقتراح البدائل التشريعية تحدث، بحسب الجمعية، تأثيرا لافتا. ويوضح معاش في هذا السياق أن الاشتغال إلى جانب النواب والفرق البرلمانية بشكل أساسي يسرع عملية التفاعل والتجاوب، لاسيما بين البرلمان والحكومة، من خلال طرح أسئلة في الموضوع، كما تم مع التشاور العمومي خلال تقديم إحدى النائبات أسئلة للوزارة المعنية حول القانون المنظم للتشاور العمومي.
الديمقراطية التشاركية.. منطق الفعل العمومي المشترك
ورغم ما أقره دستور 2011 من مقتضيات تؤسس لشراكة واعدة بين المجتمع المدني والبرلمان في مجال صناعة التشريع، فإن تفعيلها يظل رهينا بتطوير الممارسة المؤسساتية وتعزيز آليات التنسيق بين مختلف الفاعلين، بما يرسخ الشراكة مع الفاعل المدني داخل المسار التشريعي.
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة مريم بليل، الباحثة في القانون الدستوري والبرلماني، أن التأسيس الدستوري يشكل أرضية متقدمة لتطوير العلاقة بين البرلمان والمجتمع المدني، مشيرة إلى أن النظام الداخلي لمجلس النواب، على سبيل المثال، خصص الجزء التاسع للتواصل البرلماني والديمقراطية التشاركية، وأفرد المادة 319 للتواصل مع المجتمع المدني.
وتعكس تجارب الديمقراطية التشاركية، من قبيل العرائض التي يتم قبولها، بالنسبة للباحثة، وجود إرادة في تفعيل هذه الآليات، وإن كانت “تحتاج إلى مزيد من التأطير لضمان مآلات أكثر فعالية”، مستحضرة في هذا السياق عريضة “المناصفة دابا” التي تم قبولها.
كما تؤكد مريم بليل أن النخبة البرلمانية تضطلع هي الأخرى بدور أساسي في تعزيز هذه الدينامية، من خلال تطوير المساطر وتوسيع مجالات التفاعل، بما يتيح الانتقال التدريجي نحو شراكة أكثر رسوخا بين المؤسسة التشريعية والمجتمع المدني.
لكن الفهم الواسع للديمقراطية التمثيلية، بحسب الباحثة، يتجاوز آليتي العرائض والملتمسات إلى منطق متكامل في تدبير الفعل العمومي، يقوم على إشراك المجتمع المدني واستثمار المعطيات التي ينتجها، لاسيما في ظل التحولات الرقمية وتطور أدوار الفاعلين المدنيين، مما يتيح فرصا أكبر لتجويد القرار العمومي وإغناء آليات الديمقراطية التمثيلية.
ومن هنا تم ابتكار، كما تصفه الباحثة، نظريات متعلقة بالديمقراطية التشاركية والمواطنة الرقمية والمستمرة، باعتبارها آليات ونماذج تهدف إلى تجاوز “محدودية” التمثيلية التقليدية، عبر الانتقال نحو فعل عمومي أكثر تشاركية يعكس بشكل أدق هموم المجتمع، وهو ما يجعل دور المجتمع المدني “قوة اقتراحية” لتثمين صناعة القرار العمومي والتشريعي على الخصوص.
وبذلك، يعكس مسار الديمقراطية التشاركية في المغرب، كما أقره دستور 2011 وما راكمه المجتمع المدني من ديناميات ترافعية داخل مجالات الحق في الحصول على المعلومات والعرائض والملتمسات والتشاور العمومي تطورا مهما في أفق تعزيز مشاركة أوسع في صناعة التشريع.
ورش يظل، بحسب الفاعلين المدنيين، مرتبطا بالانتقال من منطق التواصل إلى شراكة مؤسساتية أكثر انتظاما، تضمن إدماجا أعمق للمجتمع المدني في مختلف مراحل إعداد القرار العمومي وتقييمه.















