لفتيت.. رجل دولة صنعته الاختبارات الصعبة ولا تضعفه الحملات

29 أبريل 2026آخر تحديث :
لفتيت.. رجل دولة صنعته الاختبارات الصعبة ولا تضعفه الحملات
عبد الصمد فزازي
عبد الصمد فزازي

في زمن ترتفع فيه أصوات الضجيج، وتشتد فيه حملات التشهير كلما اشتد وقع الإنجاز، يظل هناك رجال دولة لا يردون على خصومهم بالكلمات، بل يتركون للوقائع أن تتحدث، وللحصيلة أن تنطق، وللمؤسسات أن تشهد.

عبد الوافي لفتيت واحد من هؤلاء.

ليس من طبعه الظهور المتكرر، ولا من أسلوبه مجاراة السجالات العابرة، ولا من عادته الانخراط في معارك الاستعراض الإعلامي. فمنذ أن تقلد حقيبة الداخلية سنة 2017، اختار الرجل أن يشتغل بصمت، وأن يجعل من الفعل جوابه الوحيد على كل محاولات التشويش والتشويه.

ولعل المفارقة الكبرى أن حملات الاستهداف التي يتعرض لها اليوم لا تقول، في جوهرها، سوى شيئين: أن الرجل حاضر بثقل الدولة، وأن أثره في تدبير الملفات الكبرى أصبح من الوضوح بما يكفي ليزعج البعض.

 

رجل دولة غير عادي

 

عبد الوافي لفتيت لم يكن وزيرا عاديا مر على “أم الوزارات” مرور العابرين، بل جاء في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المغرب الحديث. فقد تولى المسؤولية في ظرفية دقيقة، أعقبت أحداثا اجتماعية كبرى، وفي مقدمتها حراك الريف، وهي محطة فرضت مقاربة دقيقة تجمع بين الحزم المؤسساتي واستعادة التوازن في تدبير المجال الترابي.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت ملامح رجل الدولة تتشكل بوضوح.

ثم جاءت جائحة (كورونا)، الامتحان الأعقد الذي واجهته الدولة المغربية في العقود الأخيرة. في تلك اللحظة الاستثنائية، كانت وزارة الداخلية، تحت قيادته، في قلب المعركة. من تنزيل حالة الطوارئ الصحية، إلى التعبئة الميدانية لرجال السلطة، إلى التنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين، برزت الوزارة كأحد أعمدة تدبير الأزمة، بما تطلبه ذلك من جاهزية قانونية ولوجستيكية وتنظيمية غير مسبوقة.

ولم يكن ذلك سوى بداية سلسلة من الاختبارات الثقيلة.

فبعد الجائحة، جاء زلزال الحوز، ثم الفيضانات التي عرفتها أقاليم بالشمال والغرب، لتضع وزارة الداخلية مجددا في قلب التعبئة الوطنية. وفي كل مرة، كانت الإدارة الترابية مطالبة بالتحرك الفوري، والتدخل الميداني، وضمان استمرارية الدولة في أصعب الظروف.

أما تنظيم انتخابات تشريعية وجهوية وجماعية في يوم واحد، وفي سياق استثنائي فرضته تداعيات الجائحة، فلا يمكن النظر إليه إلا باعتباره “إنجازا وطنيا” ترجم فيه بوضوح مستوى جاهزية الدولة وقدرتها على التدبير المحكم.

فهذه المحطة لم تكن مجرد استحقاق تقني، بل كانت اختبارا لقدرة الدولة على صيانة المسار الديمقراطي وسط ظروف صحية معقدة. وقد مرت بسلاسة تنظيمية شهد بها المتتبعون، بما عكس قدرة عالية على التخطيط والتنسيق.

 

ثقة مولوية

 

هذه بعض من إنجازات عبد الوافي لفتيت. الرجل الذي عرف عنه المقربون انضباطه الصارم، وحرصه الشديد على الفصل بين حياته الشخصية ومسؤولياته الرسمية، يجسد نموذجا نادرا لمسؤول يدرك أهمية الحفاظ على المسافة الضرورية التي تفرضها هيبة الوظيفة وصرامة الواجب.

ولعل حصيلة الداخلية في عهده هي ما تفسر اليوم تشكل جبهة واسعة للدفاع عن لفتيت في مواجهة حملات التشهير التي يتعرض لها.

جبهة عبر البيان الصادر عن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد عن موقفها باختيار عبارات قوية في مواجهة هذا النوع من الحملات “المغرضة والبائسة، التي غالبا ما تشتد كلما تعلق الأمر بمسؤول يشتغل بعيدا عن الشعبوية، وقريبا من منطق الدولة.

وأكدت المنظمة أن هذه الحملات، الصادرة عن بعض المواقع الإلكترونية “المشكوك في مصداقيتها”، تروج لمغالطات وأكاذيب واهية تستهدف “خدام العرش الأوفياء”، واصفة هذه الممارسات بـ”غير المسؤولة” والتي تقف وراءها جهات خارجة عن القانون تسعى لنشر ادعاءات لا أساس لها من الصحة.

كما أشارت إلى أن لفتيت يحظى بثقة مولوية سامية من لدن جلالة الملك محمد السادس، وبتقدير واسع من طرف المواطنين، مبرزة أن هذه الهجمات الممنهجة ليست سوى ضريبة للنجاح وانعكاسا للمكتسبات المحققة على أرض الواقع، لا سيما في الإشراف الفعال على تنزيل المشاريع التنموية الكبرى تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية.

قد يختلف البعض مع هذا الموقف، لكن لا يمكنهم أن يختلفوا حول الحصيلة حين تكون واضحة.

وفي شخص عبد الوافي لفتيت، يبدو أن المغرب كسب مسؤولا من طينة خاصة، رجل إدارة قبل أن يكون رجل سياسة، ورجل دولة قبل أن يكون مجرد وزير. والاختبارات الصعبة التي اجتازتها الدولة، ولعبت وزارة الداخلية تحت قيادته دورا محوريا فيها، كانت وستظل شاهدا تاريخيا على وضوع بصمته فيها في مسار تحول المملكة إلى نموذج يحتذى به عالميا في مجالات عدة، وهو المقياس الذي يقاس به رجال الدولة الحقيقيون الذين ينحتون في صخر المحن لمعانقة النجاح.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق