أبرز مسؤولون حكوميون، اليوم الأربعاء بمجلس المستشارين، الجهود التي تبذلها المملكة لتعزيز جاهزيتها لمواجهة آثار التغيرات المناخية، من خلال تنزيل إصلاحات وأوراش قطاعية تقوم على الاستباق والتخطيط بعيد المدى، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وأكدوا، خلال جلسة خصصت لمناقشة تقرير مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بالتحضير للجلسة السنوية المخصصة لتقييم السياسات العمومية في مجال مواجهة آثار التغيرات المناخية ومدى جاهزية المتدخلين للتعامل معها، أن المملكة، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، اعتمدت مقاربة مندمجة تجعل من التكيف مع التغيرات المناخية وتعزيز الصمود ركيزتين أساسيتين في مختلف السياسات العمومية، عبر تطوير آليات الحكامة والتخطيط، وإدماج البعد المناخي في تدبير الموارد الطبيعية، والتخطيط الترابي والعمراني، والحماية الاجتماعية، والانتقال الطاقي.
وفي هذا الإطار، أكد وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أن المملكة باشرت، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، تحولات كبرى في السياسة المائية، تروم ضمان تزويد جميع المواطنات والمواطنين بالماء الصالح للشرب، وضمان 80 في المائة من حاجيات السقي الفلاحي، مهما كانت التغيرات المناخية، لضمان الأمن الغذائي.
وأوضح بركة أن هذه التحولات تقوم على الانتقال من الاعتماد على الموارد المائية الاعتيادية والفرشات المائية إلى مزيج متكامل من مصادر المياه الاعتيادية وغير الاعتيادية، واعتماد التخطيط الاستراتيجي على مستوى الأحواض المائية في أفق سنة 2050، إلى جانب إرساء منطق جديد للتضامن المائي بين المجالات الترابية، انتقل بموجبه التضامن من القرى والجبال نحو المدن إلى تضامن المدن الساحلية مع القرى والمناطق الجبلية.
وأضاف أن تنفيذ هذه التحولات يقوم على تنسيق متعدد المستويات بين مختلف المتدخلين، من خلال لجنة قيادة يترأسها رئيس الحكومة لتتبع تنفيذ البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، واللجنة الوطنية للماء، إلى جانب اللجان الجهوية والإقليمية، لضمان مشاركة مختلف القطاعات المعنية في تنزيل البرامج وتتبعها.
من جهتها، لفتت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بن يحيى، إلى أن آثار التغيرات المناخية لا تقف عند الأضرار التي تلحق بالبيئة، بل تمتد إلى المجال الاجتماعي، وتفرض تحديات تزداد حدتها لدى الفئات الهشة، مما يستوجب إدماج البعد الاجتماعي في مختلف السياسات والاستراتيجيات المرتبطة بالمناخ وتدبير المخاطر والكوارث.
وأبرزت بن يحيى أن الوزارة تبنت رؤية تروم بناء منظومة اجتماعية مستدامة واستباقية، قادرة على حماية الفئات الهشة من آثار الكوارث الطبيعية وضمان استمرارية الخدمات الاجتماعية وتعزيز الصمود المجتمعي والتكيف مع آثار التغيرات المناخية.
وأضافت أن هذه الرؤية ترتكز على الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الأزمة إلى تعزيز الجاهزية الاجتماعية المسبقة، مشيرة إلى أن الوزارة اختبرت هذه المقاربة خلال زلزال الحوز، وفيضانات آسفي والجنوب الشرقي وأقاليم الغرب، وحرائق العرائش وتازة وتاونات، إضافة إلى حملات الشتاء لفائدة الأشخاص بدون مأوى.
كما أشارت المسؤولة الحكومية إلى أن الوزارة عملت على تطوير منظومة العمل الاجتماعي، من خلال إرساء إطار تنظيمي وتشريعي متكامل لمأسسة مهن العمل الاجتماعي، وتعزيز العرض التكويني، وتوسيع وتأهيل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وضمان جودة واستمرارية خدماتها من خلال تخصيص منح سنوية لدعم ميزانيتها.
من جانبه، قال كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، متحدثا نيابة عن وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إن الوزارة تعمل على جعل البعد المناخي مكونا أساسيا في السياسات الترابية والعمرانية، وفي آليات التخطيط والتنظيم والبرامج الموجهة لتحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين.
وأشار بن إبراهيم إلى أن هذا التوجه تجسد من خلال جعل التكيف مع التغيرات المناخية ركيزة مؤسسة للسياسات الترابية، واعتماد مقاربة تراعي خصوصيات المجالات الجبلية والساحلية والواحية وغيرها من المجالات الهشة، بما يعزز قدرة مختلف المجالات الترابية على استباق آثار التغيرات المناخية والتكيف معها.
وأضاف أن الوزارة شرعت في إرساء جيل جديد من وثائق التعمير، باعتبارها أداة استشرافية لتوجيه التنمية والحد من التعرض للمخاطر، مشيرا إلى أن إدماج المخاطر المناخية والطبيعية في وثائق التعمير أصبح قاعدة أساسية في التخطيط الحضري، بما يضمن توجيه التوسع العمراني نحو المجالات الآمنة، والحفاظ على المناطق ذات الحساسية البيئية.
كما أبرز المسؤول الحكومي أن الوزارة تواصل جهودها للحد من هشاشة النسيج العمراني وتطوير منظومة البناء والسكن المستدام، من خلال إرساء إطار تنظيمي يجعل النجاعة الطاقية معيارا أساسيا في تصميم وإنجاز المباني، ومواصلة تطوير النظام العام للبناء بما يكرس مبادئ البناء المستدام والتكيف مع التغيرات المناخية.
من جانبه، أكد كاتب الدولة المكلف بالشغل، هشام صابري، في كلمة نيابة عن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة تجربة رائدة على المستوى الإفريقي والدولي في مجال الحكامة المناخية، من خلال منظومة وطنية متكاملة ترتكز على الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والمخطط الوطني للمناخ، والمخطط الوطني الاستراتيجي للتكيف، وخارطة الطريق الوطنية نحو اقتصاد منخفض الكربون في أفق 2050، إلى جانب المساهمات المحددة وطنيا في إطار اتفاق باريس.
وسجل، في هذا السياق، أن النسخة الثالثة من المساهمة المحددة وطنيا في إطار اتفاق باريس، للفترة 2026-2035، تمثل نقلة نوعية في الطموح المناخي، وتعكس انتقال المغرب إلى جيل جديد من السياسات المناخية يقوم على التنفيذ والاستثمار، مشيرا إلى أن المملكة رفعت مستوى طموحها في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من 45,5 في المائة بحلول سنة 2030 إلى 53 في المائة في أفق سنة 2035.
وأضاف كاتب الدولة أن الأولويات الجديدة لاستراتيجية الانتقال الطاقي تقوم على تسريع إنتاج الطاقات المتجددة، مبرزا أن المملكة منحت، منذ أكتوبر 2021، ما مجموعه 66 ترخيصا بقدرة إجمالية تناهز 6 جيغاواط، باستثمارات تبلغ نحو 55 مليار درهم، إلى جانب العمل على تقوية مرونة الشبكة الكهربائية، وجعل الهيدروجين الأخضر أولوية استراتيجية جديدة.
يشار إلى أن مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بتحضير الجلسة السنوية الخاصة بتقييم السياسات العمومية في مجال مواجهة آثار التغيرات المناخية ومدى جاهزية المتدخلين للتعامل معها، دعت في تقريرها إلى تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي المرتبط بالمناخ، ولا سيما إخراج قانون للمناخ.
وأكدت توصيات تقرير المجموعة على ضرورة تعزيز آليات التنفيذ والمراقبة والتقييم، وإدماج الاعتبارات المناخية بشكل أكثر صرامة في مختلف المشاريع والاستثمارات العمومية.













