
بمناسبة فاتح ماي، الذي يُخلّد نضالات الطبقة العاملة عبر العالم، يطفو على السطح من جديد واقع فئة طالما وُضعت في موقع من يُفترض أنه “صوت المجتمع”، لكنها في الحقيقة تعاني في صمت: الصحافيون.
في الوقت الذي يُنتظر فيه من الصحافي أن يكون شاهداً على الحقيقة، مدافعاً عن القضايا الكبرى، وناقلاً لمعاناة الآخرين، يجد نفسه هو الآخر غارقاً في وضع مادي هش، بل وأحياناً مهين. أجور ضعيفة لا تواكب غلاء المعيشة، عقود عمل هشة أو منعدمة، وتأخر في صرف المستحقات في عدد من المؤسسات الإعلامية، كلها عوامل تجعل مهنة المتاعب تتحول إلى مهنة الاستنزاف اليومي.
الأمر لا يتعلق فقط بالأجور، بل بمنظومة كاملة تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية. كثير من الصحافيين يشتغلون دون تغطية صحية حقيقية، أو تقاعد يضمن لهم كرامة ما بعد سنوات العطاء. وفي ظل التحولات الرقمية السريعة، تزايد الضغط أكثر، حيث يُطلب من الصحافي إنتاج محتوى متواصل، سريع، ومتعدد الوسائط، دون أن يقابل ذلك تحسن في ظروف العمل أو الأجور.
المفارقة الصارخة أن الصحافة، التي تلعب دوراً محورياً في ترسيخ الديمقراطية وكشف الاختلالات، تعاني هي نفسها من اختلالات عميقة داخل بنيتها. فكيف يمكن لصحافي يعيش القلق المادي اليومي أن يؤدي دوره الرقابي بحرية واستقلالية؟
فاتح ماي ليس فقط مناسبة للاحتفال، بل لحظة للتأمل والمساءلة. وضعية الصحافيين اليوم تطرح سؤال الكرامة المهنية بحدة، وتستدعي تدخلاً حقيقياً من الجهات المعنية، سواء من خلال تقنين أوضاع العمل، أو دعم المؤسسات الإعلامية بشكل يضمن استقرارها دون المساس باستقلاليتها.
إن تحسين الوضع المادي للصحافيين ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان إعلام مهني، حر، وقادر على أداء رسالته النبيلة. فكرامة الصحافي من كرامة الكلمة، وبدونها يفقد المجتمع أحد أهم أعمدته.












