يبرز صغار مربي الماشية، خلال الدورة الـ18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، كحلقة محورية في تأمين الإمدادات الوطنية، ويقعون في صلب رهانات السيادة الغذائية للمملكة.
ففي الممرات المفعمة بالنشاط بقطب “تربية الماشية”، يبرز مربو الماشية (الكسابة) القادمون من مختلف جهات المملكة، حاملين معهم حكايات ترتبط بالأرض، والمواسم، وتوارث الحرفة أبا عن جد.
هناك، لا تختزل المواشي المعروضة في مجرد خصائصها الإنتاجية، بل تجسد نمط عيش متكامل، واقتصادا قائما، وتوازنا دقيقا. ومع توالي زيارات الجمهور، تتكثف النقاشات، لتكشف عن صورة أكثر شمولية مفادها أن جزءا مهما من تربية الماشية الوطنية يرتكز على نسيج من الضيعات الصغيرة، التي يضمن انتشارها عبر التراب الوطني استمرارية العرض بالقرب من الأسواق والواقع المحلي.
ورغم كونها أقل بروزا مقارنة بالوحدات الإنتاجية الكبرى المندمجة، إلا أن هذه الضيعات الصغرى تمثل حلقة أساسية في سلسلة الإنتاج. فارتباطها بالمجال الترابي، ومرونتها، وقدرتها على التكيف مع الإكراهات المناخية والاقتصادية، تجعل منها فاعلا رئيسيا في تأمين التموين، لا سيما من اللحوم الحمراء.
في الواقع، يعتمد صغار المربين على الاستغلال الأمثل للموارد المحلية، والمخلفات الزراعية، والمراعي الطبيعية. وهذه البساطة اللوجستية لا تعكس البتة أي نوع من الهشاشة، بل تشكل على العكس من ذلك إحدى الركائز الأساسية لأمن غذائي متجذر في الواقع المحلي.
يقول محمد، وهو مرب عارض من منطقة آزرو يمتلك قطيعا يضم أكثر من 50 رأسا، إن “لم تخذلنا الأرض والقطيع أبدا”.
وعن الصعوبات التي واجهها خلال السنوات الأخيرة، والتي اتسمت بتوالي مواسم الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، شدد محمد على أن قطيعه يمثل بالنسبة له ما هو أسمى من مجرد مصدر للعيش، بل هو إرث وأسلوب حياة.
وأضاف قائلا: “حتى عندما تثقل الأزمات الدولية كاهلنا، نواصل العمل من أجل الحفاظ على قطيعنا. وبفضل مرونة قطاع تربية الماشية المحلي، تظل الأسواق مزودة باحتياجاتها. نحن لا نسعى إلى الثراء، بل نطمح إلى تطوير نشاطنا لنعيش بكرامة، مع المساهمة في توفير الغذاء لبلدنا”.
هذا الشعور بالمسؤولية الوطنية تتقاسمه أيضا النساء القرويات، اللواتي يعتبرن فاعلات أساسيات في اقتصاد القرب. وفي هذا الصدد، تقول فاطمة، وهي منتجة حليب من إقليم الحوز: “قطيعي لا يعتمد على الواردات. فاستمرارنا في إنتاج الحليب واللحوم بالاعتماد على مواردنا المحلية لإطعام مجتمعاتنا، هو مصدر قوتنا الحقيقية”.
“الجيل الأخضر”..الإنسان في صلب المنظومة الفلاحية
من خلال جعل العنصر البشري في صلب المعادلة الفلاحية، أرسى المغرب، عبر استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030″، تغييرا كبيرا في مقاربته، حيث يمر تحقيق السيادة الغذائية أساسا عبر بروز طبقة وسطى فلاحية وتعزيزها.
وبالتالي، فإن دعم هذه الفئة من المربين لا يندرج في إطار المساعدة الظرفية، بل هو استثمار مباشر في الأمن الغذائي. كما أن الجهود المبذولة لتقديم دعم موجه لحماية القطيع (خاصة في فترات العجز المائي)، وتشجيع تأسيس التعاونيات، تعد أدوات استراتيجية تهدف إلى تحويل هذه المرونة الطبيعية إلى قوة اقتصادية منظمة.
وبغض النظر عن حجم الإنتاج، تضطلع هذه الفئة بدور محوري في الحفاظ على الرصيد الوراثي الوطني، سواء تعلق الأمر بسلالات الأغنام (الصردي، الدمان، بني كيل…) أو بسلالات الماعز المحلية. فهذه الحيوانات، التي صقلتها قرون من الانتقاء الطبيعي، تتميز بصلابة استثنائية تجعلها شديدة المقاومة للإجهاد المائي ودرجات الحرارة المرتفعة في بعض المناطق.
وفي وقت تعيد فيه التغيرات المناخية رسم الخارطة الفلاحية العالمية، يشكل هذا التنوع البيولوجي المحلي، الذي يتم السهر على تعزيزه في جبال الأطلس والسهول والواحات، أفضل ضمان لمستقبل الغذاء.
وهكذا، تأتي الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، للتذكير بأن السيادة الغذائية تتأسس من خلال تنظيم صغار المنتجين، وتثمين الموارد المحلية بشكل أمثل، وتعزيز الإدماج الفعال للنساء والشباب في العالم القروي.
وبذلك، تتعزز سلاسل القيمة الغذائية برمتها، وهو ما يتيح لهؤلاء الفاعلين المحليين، الذين يمثلون الركائز الحقيقية للقطاع الفلاحي، المساهمة يوميا في بناء نموذج تنموي أكثر استقلالية واستدامة وانصافا.















