الإنتاج الحيواني.. تحول استراتيجي في ظل الاستدامة

18 أبريل 2026آخر تحديث :
الإنتاج الحيواني.. تحول استراتيجي في ظل الاستدامة
(آش 24)///

قبيل انطلاق الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، المقرر تنظيمها في الفترة من 20 إلى 29 أبريل الجاري بمكناس، يقف الإنتاج الحيواني عند منعطف حاسم، في ظل آفاق مناخية أكثر ملاءمة وطموح متجدد لتحقيق السيادة الغذائية والاستدامة.

فخلال السنوات الأخيرة، تعرضت سلسلة تربية الماشية لضغوط قوية، ارتبطت على الخصوص بتوالي فترات الجفاف والارتفاع المستمر لتكاليف الأعلاف؛ وهي عوامل أدت إلى تراجع القطيع وأضعفت التوازن الاقتصادي للعديد من الاستغلاليات، لا سيما الأكثر هشاشة منها.

وقد أدى الارتفاع الكبير في أسعار المدخلات، خاصة المواد الأولية المخصصة لتغذية الماشية، إلى تفاقم الاعتماد على الأسواق الدولية، مما جعل القطاع أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. وأثر هذا الوضع على مردودية المربين وساهم في ارتفاع أسعار المنتجات ذات الأصل الحيواني، مع ما يترتب عن ذلك من تداعيات مباشرة على القدرة الشرائية.

وفي هذا السياق، تشكل التساقطات المطرية الأخيرة المسجلة على الصعيد الوطني عامل تحسن ملحوظ، ومن شأنها أن تشجع على التكوين التدريجي للموارد العلفية والمراعي، مما سيساهم في التخفيف من حدة التوترات المتعلقة بتكاليف الأعلاف ودعم إنعاش نشاط تربية الماشية.

بيد أن هذا التحسن الظرفي لا يمكن أن يحجب التحديات الهيكلية التي تواجهها السلسلة. فقد باتت مسألة استدامة أنظمة الإنتاج الحيواني تفرض نفسها كضرورة حتمية، سواء على المستوى الاقتصادي أو البيئي.

ويتعلق الأمر، على وجه الخصوص، بتعزيز نجاعة استخدام الموارد، وتحسين مرونة الاستغلاليات في مواجهة التغيرات المناخية، وكذا تقليص اعتمادها على المدخلات المستوردة.

ومن هذا المنظور، تبرز السيادة الغذائية كرهان استراتيجي رئيسي؛ فهي لا تقتصر على تأمين تزويد السوق الوطنية فحسب، بل تتطلب أيضا تطوير إنتاج محلي أكثر تنافسية واستدامة، قادر على تلبية الاحتياجات المتزايدة للساكنة.

وفي هذا الصدد، اتخذت السياسات العمومية جملة من التدابير الرامية إلى دعم السلسلة. حيث تم إرساء آليات دعم للتخفيف من تأثير ارتفاع التكاليف، لا سيما من خلال تقديم مساعدات لاقتناء أعلاف الماشية وبرامج لإعادة تكوين القطيع. وبالموازاة مع ذلك، تضع استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” الاستدامة والتكيف مع التغيرات المناخية في صلب التنمية الفلاحية.

ويشكل الابتكار، علاوة على ذلك، رافعة أساسية في هذا التحول؛ إذ تفتح التطورات في مجال البحث الزراعي، لا سيما في مجالات الهندسة الوراثية الحيوانية والتحسين الأمثل لأنظمة التغذية، آفاقا مهمة لتحسين الإنتاجية مع الحد من البصمة البيئية لتربية الماشية.

وفي هذا الصدد، يندرج الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب 2026، الذي يتموقع كمنصة للتفكير والتبادل حول مستقبل الإنتاج الحيواني. ويعكس شعار هذه الدورة (استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية) الإرادة لتعبئة كافة الفاعلين حول رهانات الاستدامة والسيادة الغذائية.

وفضلا عن بعده كتظاهرة كبرى، يسعى هذا الملتقى ليكون فضاء متميزا لمقارنة التجارب، وتقاسم الممارسات الجيدة، واستكشاف الحلول المبتكرة الكفيلة بمواكبة تحول القطاع. ومن المرتقب أن تنصب النقاشات على الآليات الواجب إرساؤها لتعزيز مرونة السلسلة، وتحسين تنافسيتها، وضمان تنمية متوازنة ومستدامة.

وفي ظل السياق الدولي الراهن الذي يتسم بتزايد التقلبات والتوترات على مستوى سلاسل التوريد، فإن المغرب مدعو إلى توطيد أسس نموذجه الفلاحي. ويبرز الإنتاج الحيواني، الذي يقع في صلب هذه الدينامية، أكثر من أي وقت مضى كركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق