أحدهما على أرضية الملعب، والآخر من المدرجات. أحدهما يستنزف طاقته داخل المستطيل الأخضر، والآخر يظل ثابتا في مكانه طيلة أطوار المباراة. البوركينابي جورجي مينونغو، والكونغولي ميشيل كوكا، المعروف بـ “لومومبا” ،شكلا معا صورتين إنسانيتين بارزتين في كأس إفريقيا للأمم المغرب-2025. بالرغم من مغادرتهما المنافسة، إلا أن الأثر الذي أحدثاه سيظل راسخا في الذاكرة الجماعية لمتتبعي هذه النسخة.
جورجي مينونغو… عندما تتجاوز الحكاية حدود اللعبة
يجسد جورجي مينونغو، معنى التحدي وقوة الإرادة الإنسانية، فخلف ملامح وجهه التي وسمها فقدان إحدى عينيه، تتكون مسيرة إنسانية مؤثرة بعمق، عنوانها شجاعة قل نظيرها. إنها قصة لاعب رفض أن يكون مرادفا للجراح، واختار أن يعيد تعريف نفسه خارج منطق الشفقة.
نشأ مينونغو، لاعب نادي سياتل ساوندرز الأمريكي، على عشق فطري لكرة القدم. منذ طفولته، لم يكن حلم ارتداء قميص منتخب “الخيول” البوركينابية مجرد طموح رياضي، بل وعدا قطعه على نفسه، وغاية سعى إليها بصبر طويل.
لم يكن مساره مفروشا بالورود، بل صاغته المثابرة والانضباط والتضحيات اليومية. لاعب عصامي شق طريقه بصمت، وتجاوز العراقيل واحدة تلو الأخرى، إلى أن فرض نفسه داخل صفوف المنتخب البوركينابي.
في سنة 2023، وبينما كان جورجي مينونغو يعيش واحدة من أقوى مراحل مسيرته، داهمته إصابة خطيرة على مستوى العين غيرت مسار حياته، بعدما فقد عينه اليسرى. غير أن هذه اللحظة لم تكن نهاية الحلم، بل بداية نهوض جديد، أكثر قوة وصلابة.
لم يكن التحدي في الإعاقة الجسدية بحد ذاتها، بل في كيفية مواجهتها، طريقته في التعامل مع هذا الجرح العميق كشفت معدن شخصيته، إذ رفض أن يقدم كضحية، مفضلا أن يتحول إلى رمز للشجاعة وتجاوز الذات.
وأوضح مينونغو، في تصريح للصحافة على هامش كأس إفريقيا للأمم المغرب-2025، “بعد الإصابة، طلب مني التوقف عن لعب كرة القدم، غير أن عزيمتي وشجاعتي كانتا أقوى من كل الإكراهات”.
وأعرب مينونغو عن سعادته بخوض أجواء المنافسة والاستمتاع بطقسها ، وبالاحتكاك بنجوم القارة الإفريقية.
اليوم، بات جورجي مينونغو نموذجا ملهما للأجيال الصاعدة. لاعب متواضع، عميق الإنسانية، لا يسعى إلى الأضواء، لكنه يحرص دائما على الاعتزاز بجذوره ورد الجميل لوطنه.
قرينة الصمت طيلة المبارة من المدرجات
أضحى ميشيل كوكا مبولادينغا، المعروف بلقب “لومومبا”، من أبرز الوجوه التي طبعت كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب.
حاضرا في جميع مباريات منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، أثار مبولادينغا الانتباه إليه بوقفته الصامتة والوقورة من على المدرجات، مجسدا حبا راسخا للوطن ووفاء رمزيا لباتريس لومومبا، زعيم التحرر والاستقلال في بلاده.
بأناقة لافتة، وببدلة وربطة عنق بألوان علم بلاده ،يرفع ذراعه اليمنى مع انطلاق المباراة ويحتفظ بهذه الوقفة إلى صافرة النهاية، وسط دهشة وإعجاب الجماهير. كيف ينجح في الحفاظ على هذا الثبات طوال المباراة؟
يجيب “لومومبا” عن ذلك في حوار مع إحدى القنوات الرياضية، بأن “الأمر ليس وليد الصدفة”.
وبعد أن أبدى إعجابه الكبير بالجمهور المغربي، أوضح ميشيل كوكا مبولادينغا، أن نهذه الوقفة هي “ثمرة مجهودات طويلة وتدريبات يومية”.
وبينما تهتز المدرجات بالأهازيج، وتتقاطع الأصوات، وتنفجر مشاعر الفرح، يبقى “لومومبا” واقفا، صامتا، مركزا. لا يغني، لا يقفز، ولا يحتفل بالأهداف.وفي المجمل، فقد ظل واقفا بلا حراك لمدة 438 دقيقة طيلة أطوار البطولة.
وإذا كان ميشيل كوكا قد ودع كأس إفريقيا للأمم المغرب-2025 والدموع تنهمر من عينيه، فإنه كسب، قبل كل شيء، قلوب وعطف وتضامن الجماهير الإفريقية المؤمنة بالرسائل النبيلة التي تنشرها كرة القدم عبر أرجاء المعمور .















