في بطولة قارية لطالما ارتبطت في الذاكرة الجماعية بالشغف، والحماس الفياض، والأهداف الحاسمة، والسيناريوهات الدرامية، تأتي كأس إفريقيا للأمم المغرب 2025 لتكشف عن وجه أكثر هدوء، لكنه لا يقل عمقا وقوة، فالفوز ليس دائما مرادفا للسعادة.
أحيانا، يكفي تعادل واحد لتحريك وجدان أمة بأكملها، وأحيانا أخرى، يتحول شعار “لا للهزيمة ” إلى خيار استراتيجي، بل إلى فعل تأسيسي لمسار جماعي ناجح.
ويجسد المنتخب المالي هذه الحقيقة في أبهى تجلياتها، ففي أربع مباريات خاضها خلال هذه البطولة اكتفى “نسور مالي” بأربعة تعادلات، ومع ذلك بلغوا دور ربع النهائي في مسار يبدو للوهلة الأولى غير مألوف.
فقد استهل زملاء لاسين سينايوكو مشوارهم بتعادل مفاجئ (1-1) أمام زامبيا، قبل أن يفرضوا النتيجة ذاتها على المنتخب المغربي. ثم اختتموا دور المجموعات بتعادل أبيض أمام جزر القمر، كان كافيا لضمان العبور إلى الدور الثاني.
وفي محطة الإقصاء المباشر، واصل المنتخب المالي تشبثه بخياره، فانتزع تعادلا جديدا (1-1) في الوقت بدل الضائع أمام تونس، قبل أن يحسم بطاقة التأهل عبر الضربات الترجيحية (3-2).
على مستوى الأرقام، قد يبدو هذا المسار مدعاة للاستغراب أو حتى للتشكيك. غير أن ما قدمه الماليون فوق أرضية الميدان يروي حكاية مختلفة تماما، فريق منظم، متماسك، عالي الانضباط، مخلص لهوية تكتيكية واضحة، وقادر على الصمود أمام الضغط.
لم يكن”نسور مالي” فريقا استعراضيا، ولم يسعوا إلى الإبهار الهجومي، لكنهم فرضوا صلابة ذهنية لافتة، وقاتلوا على كل كرة، إلى آخر رمق من كل مباراة.
كان كل تعادل ينتزع كمكسب، ويدافع عنه كقيمة، ويحاط بحماية كأنه رصيد ثمين. وفي باماكو، لم تستقبل هذه النتائج كتعادلات عابرة، بل كرموز للقدرة على الصمود والتقدم دون التفريط في الذات، ودليل على أن النجاح في كرة القدم لا يقاس دائما بعدد الانتصارات، بل بمدى الوفاء لهوية جماعية صلبة.
وفي جزء آخر من القارة، كتبت تنزانيا، التي أقصاها المنتخب المغربي من دور ثمن النهائي، فصلا خاصا من قصتها في هذه البطولة. فبعيدا عن دائرة المرشحين، ونادرا ما كانت حاضرة في الرهان ليها ما قبل المنافسات، نجحت مع ذلك في العثور على مفاتيح تألقها الخاصة.
تعادلان خلال دور المجموعات كانا كافيين لبلوغ ثمن النهائي، في سابقة تاريخية جعلت من تنزانيا أول منتخب في تاريخ كأس إفريقيا للأمم يبلغ الأدوار الإقصائية برصيد نقطتين فقط.
ومرة أخرى، لا يعكس الرقم المجرد حقيقة الصورة كاملة، فخلف هذين التعادلين، برز تنظيم صارم، وروح جماعية حاضرة في كل لحظة، وقدرة على اللعب وفق مكامن القوة بدل الارتهان لحدود الإمكانات.
ولم يكن مسار هذين المنتخبين محضا للصدفة، بقدر ما يعكس تحولا عميقا تشهده كرة القدم الإفريقية. كما أن الفوارق تتقلص، والقراءات التكتيكية تزداد صعوبة ، والمنتخبات المصنفة باتت تدخل المنافسة بوعي واضح بأهدافها.
والواقع، أن نقطة واحدة قد تكون كفيلة بتغيير مسار، وتعادل واحد قد يفتح أبوابا كانت حكرا، إلى وقت قريب، على المنتخبات المرشحة للظفر باللقب.















