مونديال 2026.. أمجاد البرازيل لا تخفي توجسا من القمة المرتقبة في مواجهة أسود الأطلس

10 يونيو 2026آخر تحديث :
مونديال 2026.. أمجاد البرازيل لا تخفي توجسا من القمة المرتقبة في مواجهة أسود الأطلس
(و.م.ع)///

في أحد مقاهي حي “آسا سول” النابض بالحياة في العاصمة الفيدرالية برازيليا، ترتسم ابتسامة خجولة على وجه نادل محلي وهو يتحدث عن الموقعة المرتقبة لمنتخب “السيليساو” في افتتاح مبارياته بكأس العالم 2026. يقول النادل، وهو يضع مشروبا باردا على الطاولة بنبرة تجمع بين العفوية والتوجس “المغرب؟ لن يكون الأمر سهلا بالمرة”. كلمات تختزل في عمقها الحالة النفسية السائدة لدى البرازيليين مع اقتراب موعد الثالث عشر من يونيو الجاري.

ويستطرد النادل بنبرة حاسمة “لكني أتوقع الفوز بنتيجة 2-1”. وفي الواقع، لا تهم هنا النتيجة المتقاربة بقدر ما يهم الصمت الحذر الذي سبقها، فعلى غرار الكثيرين هنا، لا يلغي الحذر والترقب الحس الوطني الجارف، إذ يظل واثقا – بطبيعة الحال – من قدرة بلاده على الخروج منتصرة، وهي النزعة المتجذرة لبطل العالم خمس مرات، والتي توارثتها أجيال نشأت على عشق المستديرة.

ومع ذلك، لم تخل الأجواء من نبرة تحفظ واضحة؛ إذ تدخل أحد الزبائن المعتادين، شاخصا ببصره نحو شاشة التلفاز المعلقة فوق المنضدة، قائلا “حكيمي لاعب خطير للغاية”. وفي تلك الأثناء، كانت نشرات الأخبار العاجلة المتتالية تلقي بظلالها على الأجواء، معلنة عن إصابة النجم نيمار في ربلة الساق، وسط شكوك قوية تحوم حول مشاركته في المباراة الأولى ضد أسود الأطلس. هز الرجل رأسه وتنهد بحسرة: “بدون نيمار، ستكون المهمة أكثر تعقيدا”.

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أقر أوبيراتان ليال، المعلق الرياضي بشبكة “إي. إس. بي. إن”، بأن قرعة المونديال لم تكن رحيمة بمنتخب “السيليساو” الذي يبحث عن استعادة توازنه المفقود، مضيفا “إذا استهلت البرازيل مباراتها بشكل سيء، فإنها تخاطر بالخسارة أو التعادل، لأن الخصم بات يملك شخصية القوة”.

ويتابع محلل الشبكة الرياضية قائلا “يمكننا بسهولة تصور سيناريو تعادل سلبي قد يدوم طويلا، في حين إذا تمكن المغرب من افتتاح حصة التسجيل، فإن القلق سيتسرب على الفور إلى نفوس لاعبي البرازيل، وحينها سيكون السؤال المحير هو: كيف يمكن اختراق منظومة دفاعية تدافع بهذه البراعة والصلابة؟”.

وفي مواجهة حالة التشكيك السائدة في الشارع الرياضي وفي البرامج التلفزيونية، يبرز الواقع الميداني الصرف. نيلتون نونيس، الإعلامي الذي يتابع التحضيرات اليومية لأسود الأطلس لصالح قناة محلية، يشاطر هذا الرأي، مبرزا أن “المنتخب المغربي، الذي دخل في معسكر إعدادي مغلق منذ 22 ماي الماضي، يعتبر من بين المنتخبات الأكثر جاهزية على المستويات التقنية والبدنية والتكتيكية في هذا المونديال”.

خلف هذه الصرامة التكتيكية، تتحدث الأرقام بوضوح؛ تبؤ مستحق للمركز السابع في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وسجل مبهر خال من الهزائم في الفترة الأخيرة.

ويستطرد نيلتون نونيس قراءته قائلا “لقد أظهر الناخب الوطني محمد وهبي، الذي تسلم زمام الأمور قبل ثلاثة أشهر، حنكة كبيرة؛ إذ لم يقم بتغيير المنظومة التكتيكية التي ورثها عن وليد الركراكي. إننا أمام فريق متماسك ومخيف، يتقن التراجع المنظم للدفاع بالتوازي مع الاستغلال الأمثل لمهاجمين من الطراز الرفيع في التحولات الهجومية السريعة، ولهذا السبب تحديدا سيواجه منتخب البرازيل صعوبات جمة”.

لقد تسلل هذا الحذر ليصبح جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، ممتدا من البلاطوهات التلفزيونية وحوارات رواد مقاهي ريو دي جانيرو أو ساو باولو، وصولا إلى المجالس الراقية في العاصمة الفيدرالية، بل وحتى في “الفافيلات” (أحياء الصفيح).

وهناك، في تلك الأحياء الشعبية، يبرز القميص الأحمر الذي يحمل الرقم 2 الخاص بالنجم أشرف حكيمي جنبا إلى جنب مع قمصان “السيليساو” الصفراء والخضراء، في دليل ساطع على الشعبية الجارفة التي يحظى بها الظهير الأيمن المغربي لدى الشباب البرازيلي.

ومن جانبه، يرى يوسف، المواطن المغربي المستقر منذ عشرين عاما في ساو باولو حيث يدير متجرا صغيرا برفقة زوجته البرازيلية، أن “المغرب، ظل لفترة طويلة في المخيال البرازيلي مرتبطا بالمسلسل التلفزيوني الشهير “أو كلون” (الاستنساخ – مسلسل برازيلي حقق نجاحا باهرا في الألفينيات وصورت بعض أحداثه بالمغرب)، أما اليوم، فهم يحدثونك عن كرة القدم، وعن حكيمي، وفريق الرجاء الرياضي”.

ورغم أنها أقل انتشارا مقارنة بموجات الهجرة اللبنانية أو السورية، فإن الجالية المغربية تستشعر هذا التحول الثقافي والرياضي بكثير من الفخر والاعتزاز، في تجل لملامح هوية شغوفة بكرة القدم تتقاسمها شعوب البلدين. ويضيف يوسف بنبرة هادئة عبر الهاتف “زوجتي سترتدي القميص الأصفر، أما بالنسبة لي، فإن للقلب لونا واحدا. ومهما كانت النتيجة، فإن العرس الكروي سيكون جميلا”.

وإذا كان الجمهور البرازيلي يبدي كل هذا التحفظ، فذلك يعزى إلى أن منتخب “السيليساو” قد فقد جزءا من هيبته التاريخية السابقة، إذ يعود آخر تتويج له باللقب العالمي إلى سنة 2002، في حقبة مغايرة حملت بصمات عبقرية الثلاثي المرعب رونالدو وريفالدو ورونالدينيو. ولم يفلح جيل “نيمار” قط في تحمل عبء هذا الإرث الثقيل، بل إنه تجرع مرارة أسوأ إهانة في تاريخ كرة القدم الوطنية، تلك الهزيمة الساحقة والتاريخية (1-7) أمام منتخب ألمانيا في نصف نهائي مونديال 2014 على أرضه وأمام جماهيره.

وخلال مباريات تصفيات أمريكا الجنوبية المؤهلة إلى كأس العالم 2026، خيب المنتخب البرازيلي الآمال مرة أخرى، حيث تعثر في محطات عدة واكتفى بالمركز الخامس بصعوبة بالغة تحت قيادة المدرب دوريفال جونيور. وقد دفع هذا الركود والاضطراب الفني الاتحاد البرازيلي لكرة القدم إلى اتخاذ قرارات حاسمة بتسليم مقاليد الإدارة التقنية للمدرب الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي في ماي 2025. ورغم أن أنشيلوتي، الذي حل كطوق نجاة، قد نجح في إعادة الاستقرار النسبي للمجموعة وانتزاع بطاقة العبور إلى المونديال، إلا أن هذا المسار المضطرب ما يزال يغذي حالة التشكيك الشعبي.

وإذا كان السعي نحو التتويج بـ “النجمة السادسة” ما يزال يستحوذ على تفكير بلد الأسطورة بيليه، فإن اليقين باكتساح أي منافس قد أفسح المجال بصفة نهائية لواقعية باردة تفرضها المعطيات الراهنة.

وفي هذه المجموعة الثالثة، التي تضم أيضا اسكتلندا وهايتي، تشتد المنافسة الشرسة على صدارة دور المجموعات لتجنب مسار معقد انطلاقا من دور ثمن النهائي؛ إذ يمثل احتمال الحصول على المركز الثاني الهاجس الحقيقي الذي يؤرق البرازيليين على شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي هذا الصدد، تبدي المشجعة أوريا قلقها قائلة “البرازيل غير مستعدة بالشكل الكافي. حري بنا تشجيع المغرب!”، قبل أن يوافقها أفونسو الرأي مضيفا “أتفق تماما. إذا أنهينا دور المجموعات في المركز الثاني، فسنواجه منتخبا من العيار الثقيل في الدور المقبل، وهو ما قد يعني العودة السريعة والمباشرة إلى الديار”.

وبالنسبة للمهتمين بالتاريخ الرياضي، تحمل هذه المواجهة في طياتها عبق مونديال فرنسا 1998، وهي الحقبة التي فازت فيها البرازيل – بقيادة رونالدو وريفالدو وبيبيتو – بثقة وبدون عناء بنتيجة (3-0) أمام كتيبة مصطفى حجي.

لكن، بعد مرور ثمانية وعشرين عاما على تلك الموقعة، يواجه منتخب “السيليساو” ندا مغربيا مختلفا تماما؛ فريقا مدججا بجاهزية عالية، يحمل إرث بلوغ نصف نهائي مونديال قطر 2022، ومسلحا بمعنويات الفوز في آخر مواجهة ودية جمعت بينهما بمدينة طنجة بنتيجة (2-1).

فهل سيجلب طقس “قوس النصر المائي”، الذي حظيت به طائرة المنتخب البرازيلي عند إقلاعها من ريو دي جانيرو، الحظ الكافي لرفاق نيمار؟ لقد اكتمل المشهد بكافة تفاصيله، والكلمة الفصل الآن ستكون لأرضية الميدان.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق