الإلتراس والسياسة

12 مارس 2019آخر تحديث : الثلاثاء 12 مارس 2019 - 8:05 مساءً
mehdi chaoui
رياضة
الإلتراس والسياسة
محمد ابوخصيب

من منا لم يشاهد ما تصنعه الجماهير في المدرجات، احتفاليات وأهازيج، لا يتوقفون، يشجعون بحماسة منقطعة النظير، لوحات فنية، و”تيفوات” ورسائل متعددة، صدور عارية، كأن الكرة بالنسبة لهم ليست مجرد لعبة فقط، شغف، حب، انتماء، قدرة رهيبة على صنع المستحيل في تسعين دقيقة.

 

الألتراس، النمط التشجيعي الجديد الذي تفجر داخل الملاعب عبر العالم، الكرة للجمهور، هكذا يصرخون وهذا ما رفع في عدد من المناسبات الكروية، الألتراس بالنسبة للمنتمين لها فكرة، حرية، تشجيع بدون قيود، تحرر من كل ما يمكن أن يوقف جماحهم، يعتبرون نفسهم التجلي التام لفكرة التشجيع، فإذا كان هناك جمهور نتائج، والتلفاز، والروابط الكلاسيكية والهوليغانز والهولز فالإلتراس تمثل الجميع وتتجاوز نواقصهم وما يعاب عنهم.

 

نشأة الألتراس

 

تاريخيا الالتراس احد الاشكال المتطورة عن حركة التويسيدا والتي ظهرت في ثلاثينات القرن الماضي بالبرازيل، وتطورت بشكل كبير خلال العقد الأخير من الالفية المنصرمة، فلا يمكنك اليوم تخيل أي فريقي في العالم بدون رابطة إلتراس تشجعه ، فهي بالنسبة لمنتسبيها اللاعب رقم 12 ، وتشجع الفريق أينما حل وارتحل، وكلمة الإلتراس ذات أصل لاتيني وتعني “المتطرفون في الحب”، وتعد أول رابطة مشجعين في العالم سمت نفسها بهذا الاسم هم مناصرو فريق إنتر ميلان الإيطالي سنة 1960، لتعرف بعد ذلك الظاهرة انتشارا منقطع النظير.

 

شقت الظاهرة طريقها إلى المغرب مع بداية الألفية الجديدة وذلك مع تأسيس أول شكل لها سنة 2003 بطنجة، بعدها إنتقلت حمى لجل الملاعب المغربية، تعددت التسميات والهدف واحد: تشجيع بدون توقف، إبداع وانطلاق نحو العالمية، رسمت هذه الأخيرة لوحات متعددة في مناسبات كروية وطنية وقارية ودولية، لم يعد المستطيل الأخضر وحده يضمن الفرجة بل صارت المدرجات بدورها تشد الأنظار.

 

تطورت الظاهرة وفتحت معها نقاشا واسعا، ما علاقة الألتراس بالشغب؟ وهل من حق الإلتراس أن تنتقل من حركة جماهرية تتكلم عن كرة القدم فقط أم ترفع إلى جانب ذلك شعارات سياسية تعبر عما يقع بمحيطهم العام ؟ أم أن هذه الظاهر لم تنتج إلا أشكالا دخيلة عن واقعنا المغربي ؟ أم أن الإلتراس ليست سوى تجمعات بشرية منظمة بطريقة غير قانونية يجب استئصالها؟

 

الإلتراس والشغب

 

الشغب، تضارب التوجهات واختلفت إلى حد كبير، مؤيدو الظاهرة يعتبرون أنها أسلوب راقي في التشجع، وأنها بريئة من كل الادعاءات التي تضعها على مركب الشغب، وأن الإلتراس فكرة والفكرة لا يمكن أبد أن تنتج العنف ولا يمكنهم أبدا أن يساهموا بأي شكل من الأشكال في تغدية ظواهر لا تمس الرياضة بصلة، في المقابل ، يعتبر آخرون أن هذه الأخيرة غطاء مشرعن للعنف والشغب، وأنها تمثل فعلا سيسيولوجيا ينتج تجمعات مبنية على التعصب والشوفينية في التفكير بالإضافة إلا أن هاته التجمعات تنبني على تمويلات داخلية لا تتأسس على قواعد قانونية، مع أنها أصبحت  تغدي لدى الشباب قيم سلبية أساسها الكراهية وعدم القدرة على التجاوب مع المحيط الخارجي بالشكل السليم.

 

في ضفة أخرى، اتجاه ثالث يعبر على أن الإلتراس في عمقها حركة ثقافية متطورة تبلورت داخل الملاعب المغربية، لكنها لم تستطع أن تنهج  المناول الذي قامت عليه، وسقطت ما من مرة في منزلقات قادتها لشرك الشغب، وذلك باختلاق صراعات جانبية وعدوات مع جماهير المدن الأخرى، بالإضافة إلى ابتعادهم عن مسار نشر القيم البناءة  وانتقالهم إلى العدوانية وصنع نمط تشجيعي عنيف.

 

 سنة  2016، عرفت الإلتراس تحولا جديدا بالمغرب، فبعد مجموعة من أعمال الشغب كما يعرف بالخميس الأسود وما إلى ذلك من أحداث، طفى إلى السطح النقاش حول تنزيل مضامين قانون 09.09 المتمم للقانون الجنائي والمتعلق بالشغب أثناء المباريات، بعد ذلك ستكون مباراة الرجاء الرياضي وشباب الريف الحسيمي الشرارة التي فتحت الباب أمام الزوبعة بعد الأحداث التي وقعت عقب نهاية اللقاء وسقوط عدد من الضحايا، لتقوم بعدها وزارة الداخلية بإصدار قرار يقضي بمنع أي نشاط للإلتراس بشكل نهائي، لتعرف بعدها القضية منعرجات عدة واحتجاجات متكررة داخل الملاعب المغربية ضد هذا القرار، ليرفع بعدها الحظر بشكل جزئي ووفق شروط محددة.

  

الرسائل السياسية بالمدرجات

 

“ارحل”، “باسطا” والعديد من المصطلحات التي ترتبط بالمجال السياسي وجدت سبيلا للمدرجات، رسائل سياسية بين الفينة والأخرى تعدت إدارة النادي وما يقع بعالم كرة القدم إلى ما هو سياسي صرف وما يرتبط بنمط التسيير المؤسساتي للدولة وانتقاد مجموعة من الظواهر التي تطفوا إلى السطح بين الفينة والأخرى.

 

الفعل الاحتجاجي الجماهيري ببلادنا ليس نتاجا مغربيا صرفا، بل تأثر هو كذلك بمحيطه الإقليمي والدولي، ظاهرت الإلتراس بمصر عرفت هذا التحول بعد ثورة 25 يناير سنة 2011 إذ ظلت جل أغاني الإلتراس هناك تحمل شعارات سياسية وكانت مشاركة بشبابها بقوة في ميدان التحرير، إلتراس “الوايت نايس” أنشدت بالمدرجات عددا من الشعارات والأغاني ذات رسائل سياسية قوية “شمس الحرية” “كلاب النظام” “حكايتنا”، وتضاعفت حدة هذه الأخيرة بعد سقوط أزيد من 22 قتيلا من مشجعي نادي الزمالك سنة 2013 بملعب الحرس الجوي ورفعهم شعار “افتح بنموت” محملين السلطة السياسية بمصر ما وقع، إلتراس “أهلاوي” بدورها نهجت نفس سبيل جارتها وبدورها فتحت النار في المدرجات على السلطة والسياسة وخصوصا بعد أحداث بورسعيد الدموية والتي تعتبر أكبر مجزرة عرفها تاريخ الكرة بسقوط 72 قتيل.

 

المغرب لم يكن استثناءا، روابط الإلتراس بدورها ما من مرة رفعت شعارات سياسية، هتفت في العديد من المرات موجهة رسائلها لسلطة السياسية بالبلاد ومعبرة عن همومها وما تربوا إليه، قبل سبعة سنوات من الآونة أطلقت “الوينيرز” (رابطة مشجعي الوداد البيضاوي) أغنية ترددت كثيرا بمدرجات مركب محمد الخامس تهاجم من خلالها الحكومة المغربية وتحملها مسؤولية ما يقع وممررة مجموعة من الرسائل، لتتوالى بعدها عدة محاولات من باقي الإلتراس المغربية.

 

في الآونة الأخيرة انتشرت أغنية لجماهير الرجاء البيضاوي تفاعلت معها نسب مهمة من رواد التواصل الاجتماعي وتناقلتها عدد من القنوات العربية، كلمات النشيد ابرز إلى أي حد وصل إليه سخط هذه الجماهير ، بالإضافة إلى تحميلهم أطرافا بعينهم بطريقة غير ما بشر الوضع ما آل إليه، الأمر الذي فتح نقاشا مجتمعيا واسعا حول أحقية هذه الجماهير بالتعبير بهذه الطريقة أم لا ، فهناك من نوه بهذه الأغنية واعتبر هؤلاء الشباب وجدوا طريقة للتعبير عن ما يخالج صدورهم معتبرين الأغنية تقيم للوضع العام، في حين ذهب آخرون للقول أن مثل هاته الأمور نشاز ولا مكان لها في مثل هاته الأماكن.

 

حركية الألتراس اليوم واقع لا مفر منه، فمهما اختلفت الآراء والتوجهات، الظاهرة قائمة بذاتها، مرتبطة بوقعها، وصارت من أهم المأثرين بمنظومة كرة القدم، والنقاش حولها سيستمر مادامت آلة لإنتاج  ظواهر وممارسات مختلفة ومدة صلاحيتها لازالت مستمرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق